جلال الدين السيوطي

307

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

بحفظ ناموس العلم والمشيخة ، وكان يلعب بالشّطرنج على قارعة الطريق مع العوام ، ويقف في الشوارع على حلق المشعبذين وأصحاب اللهو واللاعبين بالقرود والذباب من غير مبالاة ولا محاياة ، وكان كثير المزاح واللعب طيب الأخلاق . صنّف كتاب المرتجل في شرح الجمل لعبد القاهر الجرجانيّ ، وكتاب الردّ على ابن بابشاذ في شرح الجمل ، وكتاب الردّ على أبي زكريا التبريزيّ في تهذيب إصلاح المنطق ، وكتاب أغلاط الحريريّ في المقامات ، وشرح من كتاب اللّمع لابن جني إلى باب النداء في ثلاث مجلدات ، وشرح مقدمة الوزير ابن هبيرة في النحو ، ويقال : إنّه وصله عليه بألف دينار . ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ، ومات يوم الجمعة ثالث رمضان سنة سبع وستين وخمسمائة . قال عبد الله بن الحسن بن أبي الفرج الشاميّ : رأيت شيخنا أبا محمد بن الخشّاب في النوم بعد موته بمدة وعليه ثياب مليحة شديدة البياض وعلى وجهه نور عظيم ، فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي . فقلت له : ودخلت الجنّة ؟ ! قال : ودخلت الجنّة إلا أنّ الله أعرض عني . فقلت : وأعرض عنك ؟ ! قال : نعم ، وعن كثير من العلماء ممن لا يعمل بعلمه . قال حمزة بن علي بن القبيطيّ : كان ابن الخشّاب يعتمّ بالعمامة ويبقي على حالها مدّة طويلة حتى تسودّ وتنقطع من الوسخ ، وترمي عليها الطيور والعصافير درقها ، فيتركه على حاله من غير مبالاة . قال ابن النجّار : وبلغني أنّ بعض المعلّمين قرأ عليه قول العجّاج : أطربا وأنت قنّسريّ * وإنّما يأتي الصّبا الصّبيّ فقرأه المعلّم : وإنّما يأتي الصبي الصبيّ . فقال له : هذا عندك في الكتّاب ، وأمّا عندنا فلا ، فاستحيا المعلّم . وسأله بعض الأدباء : القفا يمدّ أو يقصر ؟ فقال : يمدّ ويقصر .